حسن الأمين
132
مستدركات أعيان الشيعة
محاربتها ، على أن موقف الشوكاني من الهبل لن يكون واضحا ما لم نشر إلى قضية غريبة أشار إليها في ترجمته [ للسيمد ] للسيد يحيى بن الحسين بن المؤيد في الجزء الثاني من البدر الطالع ولم أجدها في سواه قال : « وله تلامذة نبلاء ، منهم القاضي أحمد بن ناصر بن عبد الحق المخلافي والأديب أحمد بن محمد الإنسي المتقدم ذكره ، وكذلك الشاعر المشهور الحسن بن علي بن جابر الهبل ، وكان يعني السيد يحيى بن الحسين ) متظاهرا بالرفض ، وثلب الأعراض المصونة من أكابر الصحابة ومشى على طريقته تلامذته ورأيت بخط السيد يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم المذكور قبله ، أن صاحب الترجمة تواطأ هو وتلامذته على حذف أبواب من مجموع زيد بن علي وهو ما فيه ذكر الرفع والضم والتأمين ، ونحو ذلك ثم جعلوا نسخا وبثوها في الناس ، وهذا أمر عظيم وجناية كبيرة ، وفي ذلك دلالة على مزيد الجهل ، وفرط التعصب ، وهذه النسخ التي بثوها في الناس موجودة الآن ، فلا حول ولا قوة إلا بالله » انتهى - . كلام الشوكاني ص 330 - البدر الطالع ج 2 ولا أريد أن أشكك في كلام الشوكاني من أن السيد يحيى بن الحسين بن المؤيد أستاذ الثالوث المذكور كان يتظاهر بالرفض ، ولا أجادله في ذلك ، إذ لا علم لي به ، كما أنه قد ورد فيما نقل إلينا من أشعار الهبل ، والمخلافي ، بعض ما أشار إليه الشوكاني ، ونقل إلينا أيضا أن المخلافي نفسه اعتدل ورجع عن « جاروديته » . ولكن الشوكاني ، لم يذكر اين قرأ الكلام الذي نسبه إلى العلامة يحيى بن الحسين بن القاسم وهو كلام خطير ، وتهمة تشكك في أهم مرجع للزيدية ، وهو « مجموع زيد بن علي » ( ع ) ، ومخطوطاته المتداولة كثيرة ، وقد طبع مرتين أحدثها طبعة « المؤيد » في خمسة مجلدات وعليها شرح القاضي الحسين بن أحمد السياغي ( 1180 - 1221 ه ) والذي سماه « الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ، وقد ترجم الشوكاني للسياغي في البدر الطالع : ج 1 ص 214 وقال : » هو رفيقي في بعض مسموعاتي على شيوخي « ثم قال : » وقرأ مجموع الامام زيد بن علي على القاضي العلامة يحيى السحولي ، وعلى آخرين وبرع في هذه المعارف كلها وفاق وصار من أعيان علماء العصر المفيدين في عدة فنون « » مع ذهن قوي ، وفهم صحيح ، وإدراك جيد ، وسمت حسن ، ورصانة عقل ، ومتانة دين « . ثم قال : » وهو الآن يشرح مجموع الامام زيد بن علي شرحا حافلا وبيني وبينه مكاتبات ومشاعرات ومباحثات في عدة مسائل « ثم يستأنف الأستاذ الشامي كلامه قائلا : لقد كنت أشعر - مثل سائر زملائي - نحو عائلة « الهبل » المتواضعة الحال ، بكثير من الإجلال والتقدير ، لأنهم كما قيل لنا ، أسرة شاعر « أهل البيت » ، وكانت قصائده يترنم بها في الاحتفالات ، ومناسبات « العرس » أو « العزاء » . والهبل كما قال شيخه أحمد بن صالح بن أبي الرجال : « نشا على مودة آل محمد ( ص ) لا يلويه عن ذلك لاو » ، فالتشيع مفتاح شخصيته ، فيه يوالي ، وبه يعادي ، ويحب ويكره ، ويسخط ويرضى ، ويخطئ ويصيب ، وهو زيدي الرأي والأصول ، ولكنه - وذلك ما ينطق به شعره - كان متطرفا ينهج نهج « الجاروديين » ، ولأنه نشا في بيئة فروسية وزهد وفي ظلال أسرة وجماعة يلتفون مع قبيلتهم حول « الامام القاسم بن محمد المنصور » ، وكان لأبيه وعمه وغيرهم من أفراد أسرته الحظ الوافر من الجهاد والنضال ضد الأتراك والسلاطين و « الاقطاعيين » و « العملاء » ، الذين كانوا يوالونهم في بعض الأصقاع اليمنية ، والعمل باللسان والسنان لتكوين الدولة « القاسمية » التي ما إن توفي مؤسسها « القاسم » حتى تمكن أولاده « الحسين » و « الحسن » و « المؤيد » و « المتوكل » ، وحفيده « أحمد بن الحسن » ممدوح « الهبل » ، والذي أصبح إماما بعد وفاة شاعره وتلقب بالمهدي . . من رفع راية « اليمن الكبرى » على كل أقطارها ، وأحاط البحر بدولتها من الشرق والغرب والجنوب . بل إن الشاعر نفسه قد شارك أميره أحمد بن الحسن « سيل الليل » ، في بعض الحروب التي خاضها ، ورافقه في قمع التمردات القبلية هنا وهناك ، وحضر بعض المعارك ، ووصفها وصفا بديعا كما فعل شاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي مع أميره سيف الدولة ، وكان « الهبل » قد كتب على سيفه البتار هذين البيتين : أنا السيف لا تختشى نبوتي إذا خشيت نبوة القاضب إلى « ذي الفقار » اعتزائي كما إلى « حيدر » يعتزي صاحبي وكأنه لتفانيه في حب « علي » سيد الفرسان لم يكتف بذلك ، بل جعل سيفه « شيعيا » لسيف « علي » « ذي الفقار » وأنطقه بهذين البيتين الرائعين . لقد ظلم الشاعر الهبل حيا وميتا ، فإنه ، وهو العالم الذي قال « ابن أبي الرجال » إنه « اشتغل بالعلوم والآداب حتى برع على المشيخة القرح ، فضلا عن الأتراب » ، قد اعتنق مذهب « الثورة » والخروج على الظلمة والمنحرفين ، وألزم نفسه محاربة الفساد بلسانه وسنانة كما جهر بنقد المنحرفين والفاسدين ، فكرا ، أو عقيدة ، أو سلوكا - نقدا لاذعا مريرا ، وعند ما رآهم يحاولون جرجرة القائمين بالأمر إلى ما يخشاه على جوهر الحكم لم يصمت ، ولم يجامل بل نصح وحذر ، ثم حرض من يحسبه قادرا على الإصلاح والتغيير شانه شان المصلحين ، وأصحاب المبادئ في كل زمان ومكان . وكل ذلك قد جر عليه الويل ، فحاربه - بل وحارب ديوان شعره - من لا يقول برأيه من الفقهاء وذوي السلطة حتى ولو كانوا من أبناء وأتباع فرقته وطائفته . لقد التقى المتنافرون رأيا ، ومذهبا ، ومزاجا ، عن وعي ، وعن غير وعي ، وبقصد ، وبدون قصد ، على غمط الهبل ، وتحاشي ذكره أو الاستشهاد بشيء من شعره ، جمعهم على ذلك قاسم مشترك ، وحد بين المتنافرين رأيا ومذهبا ، والمختلفين هوى وشعورا ، والمتباينين ثقافة وتفكيرا ، على مدى الأيام والعصور ، وحل بذلك على شاعر اليمن « الهبل » ظلم كبير . ثم يمضي الأستاذ الشامي في كلامه متحدثا عن الديوان المخطوط الذي جمعه أحمد بن ناصر الخلافي صديق الشاعر : أين شعر الهبل ؟ لقد سمى جامع الديوان ما قدمه لنا من الهبل : « قلائد الجواهر » من شعر الحسن بن علي بن جابر « . . والمفهوم من التسمية أن هذا الديوان ليس كل شعر الهبل ولم يكتف » المخلافي « بهذا بل قال في » المقدمة « : » وقد حرصت على كتب ما وجدت من شعره - رضوان الله عليه - مع علمي أن هذا الذي أثبت له هو النزر الحقير ، وإن الفائت علي هو الجم الغفير ، ولقد أخبرني رضوان الله تعالى عليه إنه قد مزق من أشعاره المتقدمة دفاتر ، وأعدم منها كثيرا في الزمن الآخر ، فما ظفرت به إن شاء الله تعالى بعد ذلك فسالحقه